لا يمتلك سوق العملات الفوري (Spot FX) بورصة مركزية واحدة. تتم الصفقات بين البنوك والوسطاء والصناديق والشركات عبر العديد من أماكن التداول، ولا توجد جهة واحدة تنشر سجلًا موحدًا يوضح حجم التداول الفعلي أو من يمتلك ماذا.
وعندما تعرض منصتك حجم التداول (Volume) على الرسم البياني للعملات، فهي تعرض عادةً حجم التيكات (Tick Volume)، أي عدد المرات التي تغير فيها السعر.
وهذا يعطيك تصورًا تقريبيًا عن مستوى النشاط، لكنه لا يستطيع التمييز بين أمر واحد كبير وخمسين أمرًا صغيرًا.
هنا تسد العقود الآجلة للعملات (Currency Futures) جزءًا من هذه الفجوة.
فهي تتداول في بورصة منظمة، ويتم تسوية كل صفقة مركزيًا، كما تنشر البورصة حجم التداول الحقيقي (Real Volume) والفائدة المفتوحة (Open Interest) يوميًا.
صحيح أن سوق العقود الآجلة أصغر من سوق الـSpot، لكنه يتداول العملات نفسها، وما يحدث فيه يمنحك رؤية عن مشاركة المتداولين لا يستطيع الرسم البياني الفوري وحده توفيرها.
ما هو سوق العقود الآجلة؟
تُعد CME المنصة الرئيسية التي يتم فيها تداول العقود الآجلة للعملات الرئيسية مقابل الدولار الأمريكي.
ويمتلك كل عقد:
- حجمًا ثابتًا.
- تاريخ انتهاء محددًا.
- طريقة تسعير قياسية.
وهذا ما يجعل البيانات قابلة للمقارنة من يوم إلى آخر.
هناك خاصيتان مهمتان جدًا عند قراءة السوق:
أولًا: كل صفقة يتم تسجيلها
وبالتالي فإن حجم التداول هنا يمثل رقمًا مقاسًا فعليًا، وليس مجرد تقدير للنشاط.
ثانيًا: إمكانية قياس العقود المفتوحة
نظرًا لأن كل عقد له مشترٍ وبائع مسجلان لدى البورصة، يمكن معرفة عدد العقود التي لا تزال مفتوحة في نهاية كل يوم.
وهذا العدد هو ما يُعرف باسم:
الفائدة المفتوحة (Open Interest)
ولا يوجد في سوق الـSpot شيء مماثل لها بنفس الطريقة.
انتبه إلى طريقة تسعير العقود
هذه النقطة يجب فهمها قبل قراءة أي بيانات.
يتم تسعير العقود الآجلة للعملات بالدولار لكل وحدة من العملة الأجنبية.
وبالنسبة إلى اليورو والجنيه الإسترليني، فإن طريقة التسعير تسير في الاتجاه نفسه تقريبًا مع زوج الـSpot.
لذلك:
ارتفاع عقود اليورو الآجلة = ارتفاع EUR/USD
لكن بالنسبة إلى:
- الين الياباني (JPY)
- الفرنك السويسري (CHF)
- الدولار الكندي (CAD)
فإن العلاقة تسير في الاتجاه المعاكس.
فعلى سبيل المثال:
ارتفاع عقود الين الآجلة = قوة الين
وهذا يظهر على زوج USD/JPY في صورة:
انخفاض USD/JPY
لذلك فإن المتداول الذي ينسى هذه النقطة سيقرأ الإشارات كلها بشكل معكوس.
حجم التداول: رقم مقاس فعليًا
أبسط استخدام لبيانات العقود الآجلة هو معرفة ما إذا كانت الحركة التي رأيتها على رسم الـSpot تحظى فعلًا بمشاركة حقيقية.
على سبيل المثال:
إذا اخترق EUR/USD مستوى مهمًا، انظر إلى حجم التداول في عقود اليورو الآجلة في اليوم نفسه.
إذا حدث الاختراق مع حجم تداول أعلى بكثير من متوسط الحجم الأخير، فهذا يشير إلى مشاركة عدد كبير من المتداولين.
أما إذا حدث الاختراق مع حجم تداول ضعيف، فقد يعني ذلك أن الحركة لا تحظى بمشاركة قوية خلفها.
وهذا يتوافق مع التحذيرات التي ناقشناها عند الحديث عن الاختراقات الكاذبة (False Breakouts).
وتصبح هذه المعلومة أكثر أهمية بالنسبة إلى الأساليب التي تعتمد على الحجم، مثل:
- Volume Spread Analysis (VSA)
- Volume Profile
فعلى الرسوم البيانية للـSpot تعتمد هذه الأدوات على عدد التيكات، وهو بديل عملي لكنه ليس مثاليًا.
أما حجم التداول في العقود الآجلة، فيوفر لها البيانات التي صُممت هذه الأدوات أصلًا لاستخدامها.
كما أن بناء Volume Profile باستخدام بيانات العقود الآجلة يوضح المناطق التي تم فيها تداول عقود فعلية، ويمكن للمتداول استخدام هذه المناطق كمستويات مرجعية.
الفائدة المفتوحة: أموال جديدة أم إغلاق مراكز؟
حجم التداول يخبرك كم تم تداوله.
أما الفائدة المفتوحة (Open Interest) فتخبرك بما إذا كان هذا التداول أدى إلى فتح مراكز جديدة أم إغلاق مراكز موجودة بالفعل.
وعندما تقرأ الفائدة المفتوحة بجانب حركة السعر، تحصل على صورة أوضح لما يدفع الحركة.
السعر يرتفع + الفائدة المفتوحة ترتفع
هذا يعني أن مراكز جديدة يتم فتحها في اتجاه الحركة.
أي أن أموالًا جديدة تدخل السوق، وهذه هي الطريقة التي يتشكل بها الاتجاه عادةً.
السعر يرتفع + الفائدة المفتوحة تنخفض
هذا يعني أن المراكز يتم إغلاقها.
وغالبًا ما يشير ذلك إلى قيام البائعين على المكشوف بإعادة شراء مراكزهم (Short Covering).
وبالتالي تكون الحركة الصاعدة مدفوعة بتغطية المراكز بدلًا من دخول قناعة شرائية جديدة.
وقد تكون هذه الحركة سريعة وقوية، لكنها تميل إلى التوقف عندما تنتهي عملية التغطية.
السعر ينخفض + الفائدة المفتوحة ترتفع
هنا يتم فتح مراكز بيع جديدة.
أي أن الانخفاض يحظى بمشاركة جديدة من المتداولين.
السعر ينخفض + الفائدة المفتوحة تنخفض
هنا يقوم أصحاب المراكز بالخروج من السوق.
وبالتالي يكون الانخفاض مدفوعًا بـتصفية المراكز (Liquidation).
وكما هو الحال مع تغطية مراكز البيع، غالبًا ما تتوقف الحركة عندما تنتهي عمليات البيع والخروج.
هذه القراءات الأربع تشبه الأنماط الأربعة التي ناقشناها في تقرير COT، ولكن هناك اختلاف عملي مهم:
الفائدة المفتوحة تُنشر يوميًا.
وبالتالي فهي تستجيب للتغيرات بشكل أسرع بكثير من تقرير التمركز الأسبوعي.
لكن المقابل هو أنها لا تخبرك من قام بفتح أو إغلاق المراكز، وإنما تخبرك فقط بأن ذلك حدث.
وعند استخدام الأداتين معًا:
- البيانات اليومية توضح ما الذي يتغير.
- تقرير COT الأسبوعي يساعدك على معرفة أي فئة من المتداولين تقوم بذلك.
أين يمكن أن تضللك بيانات العقود الآجلة؟
سوق العقود الآجلة يمثل جزءًا صغيرًا من إجمالي تداول العملات.
فمعظم التداول يحدث في:
- سوق الـSpot.
- العقود الآجلة الخاصة (Forwards).
- عقود المبادلة (Swaps).
وتتم هذه العمليات بدرجة كبيرة بين البنوك.
لذلك فإن العقود الآجلة تُظهر جزءًا من النشاط، وليس النشاط بالكامل.
فالبيانات مفيدة باعتبارها عينة من السوق، لكنها ليست إحصاءً شاملًا لكل ما يحدث فيه.
اختلاف النشاط حسب ساعات التداول
يتركز جزء كبير من نشاط العقود الآجلة خلال الساعات الأمريكية.
لذلك قد تحدث حركة قوية خلال الجلسة الآسيوية ويظهر معها حجم تداول ضعيف جدًا في العقود الآجلة، حتى لو كان النشاط في سوق الـSpot مرتفعًا بالفعل.
والسبب ببساطة هو أن عدد المشاركين في سوق العقود الآجلة يكون أقل خلال تلك الساعات.
انتهاء العقود وعملية الترحيل (Roll)
تنتهي العقود الآجلة عادةً بشكل ربع سنوي، في:
- مارس
- يونيو
- سبتمبر
- ديسمبر
وخلال الأيام المحيطة بتاريخ انتهاء العقد، يقوم المتداولون بنقل مراكزهم من العقد الذي يقترب من الانتهاء إلى العقد التالي.
وخلال عملية الترحيل (Roll):
- يرتفع حجم التداول في العقد الجديد.
- تنخفض الفائدة المفتوحة في العقد القديم بشكل حاد.
ولا يعني أي من ذلك تغيرًا حقيقيًا في وجهة نظر المتداولين تجاه العملة.
لذلك:
تجاهل إشارات الحجم والفائدة المفتوحة خلال فترات الترحيل، أو استخدم بيانات تجمع العقود المختلفة معًا.
الفرق بين سعر العقود الآجلة وسعر الـSpot
تختلف أسعار العقود الآجلة أيضًا عن أسعار السوق الفوري.
ويعكس هذا الفرق الفارق في أسعار الفائدة بين العملتين حتى تاريخ انتهاء العقد، كما يتغير هذا الفرق كلما اقترب تاريخ الانتهاء.
لذلك، لن يتطابق مستوى على الرسم البياني للعقود الآجلة بالضرورة بشكل كامل مع المستوى نفسه على رسم الـSpot.
لكن عند قراءة المشاركة والنشاط، لا يمثل هذا الاختلاف مشكلة كبيرة.
أما عند تحديد مستويات سعرية دقيقة، فيجب عليك:
- تعديل الفارق بين السعرين.
- أو استخدام رسم العقود الآجلة لمعرفة المناطق التي تركز فيها النشاط، ثم البحث عن المنطقة المقابلة لها على رسم الـSpot.
روتين عملي لاستخدام العقود الآجلة
احتفظ برسم بياني للعقود الآجلة بجانب زوج الـSpot الذي تتداوله.
واستخدم العقد المستمر (Continuous Contract) الذي يتبع العقد الأقرب، حتى لا ينقطع الرسم البياني عند كل عملية ترحيل.
في نهاية كل يوم، سجل ثلاثة أشياء للعملات التي تتابعها:
- حجم التداول مقارنة بمتوسطه الأخير.
- التغير في الفائدة المفتوحة.
- اتجاه السعر.
ثم حدد أي واحدة من حالات الفائدة المفتوحة الأربع تنطبق على السوق.
عندما تحدث حركة مهمة على رسم الـSpot، مثل:
- كسر مستوى.
- انعكاس قوي.
- حركة اندفاعية.
تحقق مما إذا كان حجم العقود الآجلة قد أكد الحركة قبل أن تتعامل معها باعتبارها حركة ذات مشاركة قوية.
وعندما تكون داخل صفقة اتجاهية، راقب بدء انخفاض الفائدة المفتوحة بينما يستمر السعر في التحرك.
فهذا قد يعني أن الحركة يتم دعمها بشكل متزايد بواسطة خروج المتداولين من مراكزهم بدلًا من دخول مراكز جديدة.
دمج البيانات اليومية مع تقرير COT
بعد ذلك، اجمع الصورة اليومية مع تقرير COT الأسبوعي.
على سبيل المثال:
إذا كانت الفائدة المفتوحة في عقود اليورو الآجلة تنخفض لمدة أسبوعين، ثم أظهر تقرير COT التالي أن المضاربين يقومون بتقليص مراكزهم الشرائية، فإن المصدرين يتفقان على وصف ما يحدث في السوق.
وهذا الاتفاق يكون أكثر موثوقية من الاعتماد على أي مصدر منهما بمفرده.
أخطاء يجب تجنبها
1. قراءة العقود المعكوسة بشكل خاطئ
وهذا من أكثر الأخطاء تكلفة.
فمثلًا:
Long Yen Futures = Short USD/JPY
وليس Long USD/JPY.
2. اعتبار بيانات فترة الترحيل إشارة حقيقية
خلال فترة الـRoll قد يرتفع حجم التداول بشدة وتنخفض الفائدة المفتوحة في العقد القديم.
لكن ذلك قد يكون مجرد نتيجة انتقال المراكز إلى العقد التالي، وليس تغيرًا حقيقيًا في توجه السوق.
3. توقع تطابق السعر بين العقود الآجلة والـSpot
من السهل أن تتوقع تطابقًا دقيقًا بين السعرين ثم تشعر بالارتباك عندما تبدأ المستويات في الانفصال.
لكن هذا الفرق يعكس ببساطة فروقات أسعار الفائدة بين العملتين.
4. تفسير ضعف حجم العقود الآجلة في الجلسة الآسيوية بشكل خاطئ
انخفاض حجم العقود الآجلة خلال ساعات آسيا لا يعني بالضرورة أن النشاط في سوق الـSpot ضعيف.
فالسوقان يضمان مشاركين مختلفين، كما يختلف مستوى نشاطهم باختلاف ساعات التداول.
الخلاصة
العقود الآجلة للعملات تمنحك شيئًا لا تستطيع بيانات الـSpot وحدها تقديمه:
حجم تداول حقيقي + فائدة مفتوحة + سجل مركزي للمعاملات.
لكنها ليست صورة كاملة للسوق، لأنها تمثل جزءًا فقط من النشاط العالمي في العملات.
لذلك، استخدمها كطبقة إضافية فوق تحليل الـSpot:
السعر يخبرك بما حدث،
الحجم يخبرك بمقدار المشاركة،
الفائدة المفتوحة تساعدك على فهم ما إذا كانت المراكز الجديدة تدخل أو تخرج،
وCOT يساعدك على فهم أي فئة من المتداولين تقف وراء هذه التغيرات.
بهذه الطريقة تصبح قراءة العقود الآجلة أداة لفهم جودة الحركة ومشاركة السوق، وليس مجرد رقم إضافي على الشاشة.
إخلاء المسؤولية: هذه المشاركة لأغراض تعليمية فقط ولا ينبغي اعتبارها نصيحة استثمارية
يُنصح بأن التداول في الأسواق المالية ينطوي على مستوى مرتفع من المخاطر وقد لا يكون مناسبًا لكل مستثمر
